يتداعى حلم إسرائيل في التحول إلى مركز رئيسي للتجارة في الشرق الأوسط، مع إعادة رسم دول الخليج وحلفائها خريطة الممرات التجارية الإقليمية بما يتجاوز الحاجة إلى المرور عبر تل أبيب، وفقًا لما يراه الخبير في الاقتصاد السياسي أحمد القاروط، الذي يركز في أبحاثه على تنافس القوى الكبرى والاقتصاد السياسي للصراعات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

 

وأضاف الكاتب أحمد القاروط، أن ممر الهند والشرق الأوسط وأوروبا الاقتصادي «IMEC» مات عند طرفه الإسرائيلي، فيما تتسابق دول الخليج وحلفاؤها الآن على بناء مسارات بديلة.

 

وفي يونيو، وقّع وزيرا النقل السعودي والتركي مذكرات تفاهم لإحياء خط سكة حديد الحجاز، الذي يعود إلى الحقبة العثمانية، باعتباره ممرًا يربط بين البلدين مرورًا بالأردن وسوريا، متجنبًا إسرائيل عمدًا. كما فتحت الإمارات محادثات بشأن مسار تجاري يمتد من الساحل السوري عبر العراق وصولًا إلى موانئها الخليجية.

 

وفي يوليو، وقّعت شركة «دي بي ورلد» اتفاق امتياز مدته 50 عامًا مع سلطات الفجيرة لإنشاء محطتين على الساحل الإماراتي المطل على بحر العرب، من بينهما ميناء «الروغيلات» للحاويات، بهدف واضح يتمثل في تفريغ الشحنات ونقلها إلى وجهاتها دون المرور عبر مضيق هرمز.

 

ويتجاوز المساران ممر الهند والشرق الأوسط وأوروبا الاقتصادي، الذي أُعلن عنه خلال قمة مجموعة العشرين في نيودلهي في سبتمبر 2023، أي قبل أربعة أسابيع من اندلاع حرب غزة، وكانت حيفا تمثل محور فكرته الأساسية باعتبارها البوابة إلى أوروبا.

 

ولا يزال داعمو الممر يصفونه بأنه «معلّق»، لكن ما يجري بناؤه بدلًا منه يرسم ملامح نظام إقليمي تمر فيه التجارة عبر الجميع تقريبًا باستثناء إسرائيل.

 

ممرات تجارية جديدة تتجاوز إسرائيل

 

 

مثّل ممر الهند والشرق الأوسط وأوروبا الاقتصادي إجابة واشنطن على مبادرة «الحزام والطريق» الصينية، إذ كان من المفترض أن ينقل البضائع الهندية بحرًا إلى الإمارات، ثم برًا عبر السكة الحديد في السعودية والأردن، ومنها إلى أوروبا عبر ميناء حيفا. واستند المشروع في جوهره إلى تطبيع العلاقات بين دول الخليج وإسرائيل، بهدف منح «اتفاقيات أبراهام» أساسًا اقتصاديًا متينًا.

 

لكن التطورات في غزة جمدت الجزء الأردني من المشروع قبل وضع متر واحد من القضبان، كما دفعت الشرط السياسي للمشروع إلى خارج نطاق الممكن، بعدما رفضت السعودية تطبيع العلاقات مع إسرائيل من دون الاعتراف بدولة فلسطينية.

 

ثم جاءت الحرب الحالية على إيران لتضرب التصور المادي للمشروع، كما ضربت حرب غزة أساسه السياسي، بعدما تعرضت الموانئ ومحطات الطاقة الإسرائيلية لهجمات متواصلة بالصواريخ والطائرات المسيّرة.

 

وإلى جانب ذلك، برزت مشكلة واضحة تتعلق بحجم ميناء حيفا نفسه. فقد تعامل الميناء مع نحو 1.5 مليون حاوية سنويًا قبل الحرب، وهو رقم لا يقترب من الحجم الذي أوحى به مروجو المشروع.

 

ربط التجارة الخليجية بإسرائيل يعني ربطها بدولة تعيش في حالة حرب دائمة وتعاني في الوقت نفسه من محدودية الطاقة الاستيعابية.

 

السعودية والإمارات تعيدان رسم خريطة التجارة الإقليمية

 

 

انقسمت القوى الخليجية على طول خط الصدع الذي كان قائمًا أصلًا بينها. فمنذ عقد، تعمل السعودية على ترسيخ مكانتها باعتبارها النقطة التي لا يمكن للمنطقة تجاوزها، وقد دفعت الحرب هذا التوجه إلى الأمام.

 

وفي مارس، أطلقت الخطوط الحديدية السعودية ممرًا مخصصًا لنقل البضائع يمتد لأكثر من 1700 كيلومتر عبر خطوط قائمة، ردًا مباشرًا على إغلاق مضيق هرمز، ويربط ميناء الملك عبدالعزيز وميناء الملك فهد الصناعي وميناء الجبيل التجاري بالحدود الأردنية.

 

كما تمتد هناك شبكة «بترولاين» النفطية شرق غرب إلى ينبع، انطلاقًا من مجمع بقيق لمعالجة النفط في المنطقة الشرقية بالسعودية وصولًا إلى ميناء البحر الأحمر، بعدما رفعت «أرامكو» إنتاجها عبر هذا المسار إلى مستوى قياسي بلغ سبعة ملايين برميل يوميًا في الربع الأول من عام 2026.

 

وإذا اضطرت كميات كبيرة من التجارة والنفط والأنشطة التجارية إلى المرور فعليًا عبر المملكة، فلن تستطيع إسرائيل أو إيران أو أي قوة أخرى تهميش السعودية. وتمتد مذكرة التفاهم التي وقعتها الرياض مع أنقرة في يونيو بهذا المنطق إلى المجال البري.

 

أما أبوظبي، فتطرح مسارًا يتجاوز إسرائيل والسعودية معًا. ففي الوقت الذي تريد فيه الرياض أن تصبح المكان الذي لا بد أن تمر عبره التجارة، تعمل أبوظبي على بناء طرق تصل إلى أكبر عدد ممكن من السواحل، بما يقلل اعتمادها على أي مسار واحد.

 

وفتحت مجموعة موانئ أبوظبي خطًا يربط ميناء خليفة بميناء أم قصر العراقي، ليغذي مشروع «طريق التنمية» البالغة قيمته 17 مليار دولار، والذي يمتد من ميناء الفاو الكبير في البصرة شمالًا عبر تركيا إلى أوروبا، وصولًا إلى البحر المتوسط من دون المرور بالسعودية أو دخول إسرائيل.

 

ويدفع العراق بالمنطق نفسه نحو الداخل. ففي منتصف يوليو، كشف عن «مدينة الطاقة» في شبه جزيرة الفاو، لربط مصافي التكرير ومصانع الغاز ومحطات الطاقة بطريق التنمية، كما عرض المشروع في هيوستن أمام شركات الطاقة الأمريكية الكبرى، من بينها «شيفرون» و«هاليبرتون».

 

كما فتحت مسؤولون إماراتيون وسوريون محادثات لمد هذا الممر إلى الموانئ السورية، مع اقتراح إنشاء مركز لوجستي عند معبر التنف. وفي الشرق، توسع الإمارات خط أنابيب حبشان الفجيرة، بما يسمح بوصول النفط إلى الناقلات في الفجيرة على خليج عُمان من دون المرور عبر مضيق هرمز، مع استهداف استكمال المشروع في عام 2027.

 

إيران وإسرائيل تضعان حدودًا صعبة أمام الممرات الجديدة

 

 

يصطدم النموذجان السعودى والإماراتي بجدارين أساسيين. يتمثل الأول في الحجم؛ إذ تتحرك الكميات التي تجعل هذه الطرق جديرة بالمنافسة عبر البحر، ولا تستطيع الطرق البرية أن تحل محل النقل البحري.

 

وتحمل سفينة حاويات واحدة ما يصل إلى 24 ألف حاوية. أما شبكة «قطار الصين السريع»، التي تعد أكثر شبكات الشحن البرية تطورًا في العالم، فنقلت رقمًا قياسيًا بلغ مليوني حاوية على امتداد عام 2024 بأكمله، فيما تراجع حجم الشحن عبر خط الصين وأوروبا بنسبة 22% خلال النصف الأول من عام 2025 مع انخفاض تكلفة الشحن البحري.

 

وتعود البضائع إلى البحر كلما أصبح الطريق البحري مفتوحًا. فقد تعامل ميناء جبل علي وحده مع 15.5 مليون حاوية في عام 2024.

 

أما ميناء أم قصر، وهو الميناء الرئيسي للحاويات في العراق، فتعامل مع نحو 1.5 مليون حاوية في عام 2023، فيما لا يسمح عمق قناته باستقبال سفن تتجاوز طاقتها نحو 5 آلاف حاوية. كما تسير حركة التجارة فيه في اتجاه واحد؛ إذ تعتمد صادرات العراق في معظمها على النفط الخام الذي يغادر البلاد عبر الناقلات، وليس داخل الحاويات، ولذلك تعود نسبة كبيرة من الحاويات التي تصل محملة بالبضائع فارغة.

 

وتوفر الممرات البرية قدرًا أكبر من المرونة والوصول السياسي، لكنها لا تستطيع نقل الكميات نفسها من البضائع.

 

أما الجدار الثاني فيتمثل في إيران. فعندما أُغلق مضيق هرمز، تراجع إنتاج الخليج النفطي إلى نحو 7.5 مليون برميل يوميًا في مارس، مقارنة بمستوى طبيعي يبلغ 20 مليون برميل، فيما كانت الإمارات من أكثر دول الخليج تعرضًا للهجمات.

 

وردت أبوظبي، بعيدًا عن خطاب الردع العلني، عبر دفع أموال مقابل الحماية الإيرانية، وفق تقارير. وبحلول منتصف يونيو، أشارت تقارير «رويترز» إلى أن الإمارات دفعت أكثر من 3 مليارات دولار إلى طهران، ووافقت على الإفراج عن ما يصل إجماليه إلى 10 مليارات دولار من الأموال المجمدة مقابل وقف الهجمات، وهو ما نفاه مسؤولون إماراتيون بشكل قاطع. 

 

واستؤنفت منذ ذلك الحين عمليات تخليص البضائع الإيرانية العالقة في ميناء جبل علي.

 

 الدولة التي تدفع أموالًا إلى دولة أخرى تملك القدرة على إغلاق موانئها، وتعتمد في إبقاء هذه الموانئ مفتوحة جزئيًا على نقل بضائع تلك الدولة نفسها، لا تبني استقلالًا حقيقيًا، بل تستأجره. وفي الوقت نفسه، رفضت الرياض طلبات أمريكية بالسماح باستخدام المجال الجوي السعودي لشن ضربات على إيران، فيما عادت صادراتها النفطية إلى نحو 90% من مستويات ما قبل الحرب بحلول أوائل يوليو، بالتزامن مع تحسن العلاقات مع طهران.

 

ولا يعني حرمان إسرائيل من دور مركز تجاري إقليمي إزاحتها باعتبارها عاملًا مؤثرًا. فما زالت إسرائيل تمتلك ما لا يمتلكه بناة الممرات التجارية الأخرى: القدرة العسكرية على الوصول إلى أي مسار ترفضه وإضعافه، وهي ترفض أي مسار يعزز نفوذ خصومها أو يستبعدها.

 

وقبل قرن، عطلت القوى الإمبريالية، إلى جانب الدولة التي أقامتها تلك القوى عند نقطة التقاء ثلاث قارات، مشاريع إقليمية للتكامل واحدًا تلو الآخر. تغيرت الأسماء وأصبحت الخرائط أكثر لمعانًا، لكن الديناميكيات نفسها لا تزال حاضرة.

 

وخلال الحرب على إيران، أرسلت إسرائيل بطارية من منظومة «القبة الحديدية» وطاقمها إلى الإمارات، في أول مرة تنتقل فيها المنظومة خارج الأراضي الإسرائيلية برفقة قوات إسرائيلية. ويعني ذلك أن الدولة التي تسابق الزمن لبناء ممر تجاري يتجاوز إسرائيل احتاجت إلى بطارية إسرائيلية لمواجهة صواريخ إيران.

 

ويمكن لأنقرة والقاهرة والرياض وأبوظبي مواصلة رسم الممرات على الخرائط، لكن ما لم تتمكن إحداها من إبقاء طريق مفتوحًا في مواجهة إسرائيل، فإنها لا تبني استراتيجية، بل ترسم خرائط فحسب.

 

https://www.middleeasteye.net/opinion/how-israels-dream-being-middle-easts-trade-hub-unravelling